اخبار وطنية أخبار عالمية

التنمية البشرية: بين بيع الوهم وجشع المدربين

انتشرت دورات التنمية البشرية مثل النار في الهشيم خلال العقد الأخير من الزمن، وذلك يرجع بالأساس إلى رواج استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من جهة، والإحباط الذي يشكل ملامح المشهد العام في العالم العربي من جهة أخرى ما دفع بالناس إلى إلقاء أنفسهم على أعتاب من يرون فيه القدرة على منحهم بصيصا من الأمل.

سلط موقع الصحيفة الضوء على التزايد المطرد في عدد المدربين المعتمدين و”الدخلاء” على هذه “المهنة”، فكل من التمس في نفسه القدرة على إلقاء خطاب على جمع من الناس بات مناديا بتسيّد الدورات التدريبية ونصح الناس وإرشادهم لما هو خير لهم.

إذا ما بحثت عن تعريف شامل عن مفهوم “التنمية البشرية” في القواميس اللغوية، ستفاجئ بأنه لا وجود لتعريف شامل يشرح معناها الحقيقي، كما أن هناك إجماعًا على كونها لا تصنف ضمن العلوم، وإنما هي تكديس شخص ما لبعض من مهاراته ومكتسباته في شكل خطاب منمق وسلس يستوعبه الجميع. ووفقا لما ورد في معهد تطوير الذات، تكون النتائج الناجمة عن تطبيق نصائح “مدرب التنمية البشرية” مختلفة من شخص لآخر، وهو ما يقطع الشك إزاء كونها علما قائما بذاته.

بيع الوهم

بالنسبة للمدرب، كل من قرر دفع معاليم الدورة التدريبية هو شخص خطى في الطريق الصحيح، وذلك بصرف النظر عن إمكاناته وحالته النفسية ووضعه المادي وقدرته على الاستفادة من النصح والإرشاد الذي هو ملاقيه قريبا. وفي حديثنا إلى أحد رواد دورات التنمية البشرية، السيد (ه. م) 41 سنة، قال إن “المدرب شخص ذو مهارات جيدة في الاستماع الفعال ويبرع في استخدام الكلمات ليخلق وهما بأنه سيقودنا إلى تغيير حياتنا 180 درجة، فلقد حاولت تطبيق نصائحه وتوجيهاته بحذافيرها، لكنني اصطدمت بواقع لا يلقي بالا للكلمات والتفائل المبالغ فيه والذي لا تحمد عقباه”.

وتابع صاحب 41 سنة القول إنه لم يجد بدا من اقتراض المال لإتمام الدورات التدريبية والجلسات الخاصة، لكنه خسر وقتا كان ومالا كثيرين لقاء كلام أجوف يشكل قوام مقاطع الفيديو التحفيزية التي تجدها كلما وليت وجهك في اليوتيوب.

ويستمر التحيل

في حديثنا إلى مؤسس شركة “آي آس” لصناعة المحتوى الرقمي، السيد ع .ب صاحب 27 سنة، قام بتعداد عدد المرات التي كان فيها ضحية لنصب بعض مدربي التنمية البشرية. وشملت هذه الوقائع تنظيم دورات تدريبية دون مقابل وجلسات استشارية ذهب جزائها أدراج الرياح، بالإضافة إلى تأجير معدات تصوير بشكل مجاني.

وخلال المقابلة، أشار صاحب الشركة إلى إحدى مدربات “الميتا كوتشينغ” والتمنية البشرية التي وصفها بأنها :” تركز في ظاهرها على علم النواقل العصبية والتأثير الإيجابي في نفوس حرفائها، وفي باطنها على تكرار كلمة “حلم” عشرات المرات في الجلسة الواحدة”. وفي سؤالنا عن علاقة هذه المدربة المدعوة أ.ب أصيلة ولاية المنستير بعمليات تحيل بعض مدربي التنمية البشرية وتفرعاتها المختلفة، قال “لقد انتهجت المدربة درب تصوير مقاطع الفيديو والجلسات التي تقوم بها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، فعملت على الاتصال بنا بشكل أولي لوضع خارطة طريق تحدد أسس التعاون فيما بيننا، فأقمنا لذلك جلسات استشارية رفقة اثنين من المختصين في صناعة المحتوى والتسويق الرقمي. علاوة على ذلك، أجرينا جلسات تصوير احتضنتها مواقع مختلفة بولاية سوسة وعملنا على تصوير مقطعي فيديو وقمنا بعمليات المونتاج والميكساج، بالإضافة إلى تقديم مقترحات قوالب تصاميم الصور المثبتة والصور التفاعلية وقوالب الفيديو والاستقرار على بعضها بعد جهد كبير وتعديلات تحصى وتعد، وإنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتابع قائلا :” باختصار، عملت هذه المدربة على استغلالنا لوضع خارطة الطريق وتحديد مختلف جوانب مشروعها الرقمي ثم قالت إنها لن تعمل معنا في المستقبل ولن تعتمد علينا في المراحل القادمة من مشروعها، وكأنما لا تلتزم بالميثاق الأخلاقي الذي تدعو حرفائها للالتزام به في معاملاتهم وتفاعلاتهم الاجتماعية”.

ردا على ذلك، أفاد محدثنا أنه يمتلك جميع الأدلة التي تثبت تعاملها غير الاحترافي، فضلا عن جميع المحادثات والروابط التي تثبت عمل شركته على وضع أسس هذا مشروعها. وفي حال عدم سداد مستحقاته، قال إنه سيعمل على كشف جميع هذه المعاملات في المنابر الإعلامية التي يديرها وبعض المواقع التونسية الأخرى، وذلك دون تجاوز الأطر والضوابط القانونية لهذه القضية.

وفي الختام، تعددت الشهادات التي تنادي بجدوى الدورات التدريبية وتأثيراتها، إلا أننا لم نلتمس دليلا على نجاعتها لدى أصحابها، لكنها حتما تزيد حدة الجدل حول فائدة التنمية البشرية وقدرتها على التغيير من مصائر الناس ودفعهم لتحقيق “أحلامهم” بواسطة وقود الكلمات الرنانة والحركات الاستعراضية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
هل تفضل النساء اللّحية؟ بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه
هل تفضل النساء اللّحية؟  بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه بقلم وئام بلخيرية نشر موقع "سيكولوجي توداي" تقريرا حول دراسة حدي...
powered by RelatedPosts