. إقتصاد تاريخي تكنولوجيا ثقافة و فنون صحة عناوين متفرقات مجتمع محلي

تونس، أين تلتقي وتتشابك الثقافة اليهودية والإسلامية

بقلم تسنيم مباركي

نشرت صحيفة “كريستشن ساينس مونيتور” الأمريكية تقريرا تطرقت فيه إلى حياة اليهود في تونس والتاريخ الذي يجمع كل من المجتمع اليهودي والإسلامي.

يعود تاريخ اليهود في تونس إلى العصر البوني، فقد قاموا ببناء ما يُعتقد أنه أقدم كنيس يهودي في أفريقيا. سابقا، تجاوز عدد اليهود التونسيين ال100 ألف، بينما وصل الآن إلى حوالي ألفي شخص فقط. وعلى الرغم من أن جزيرة جربة تحتل العناوين الرئيسية وتستقطب السياح بمجتمعها اليهودي الكبير، إلا أن اليهود يعتبرون جزءا لا يتجزأ من نبض تونس وشريان حياتها.

في شوارع العاصمة المكتظة، سيدلك المارة على أشهر مطعم كوشر في ميناء حلق الواحد، ودار المسنين اليهود، والكنيس الوطني الشاهق، والمعابد التاريخية اليهودية التي ميزتها مجسمات الشمعدانات السباعية المنحوتة على أبوابها الخشبية.

يعد الطلب على لحوم الكوشر مرتفع بين المسلمين التونسيين واليهود على حد سواء. ففي يوم جمعة ممطر في شهر أكتوبر من هذا العام، اصطف رجال ونساء أمام محل لحوم الكوشر “عمران فينيش”، وهو اسم المتجر باللغتين العبرية والعربية، بينما زين واجهته السجق المعلق.

يشهد العديد بجودة المنتجات التي يقدمها عمران في محله، إذ يرتاده العديد من الزبائن من سكان تونس العاصمة. وعلى الرغم من تراجع عدد الزبائن اليهود، إلا أن السيد فينيتش يرجع الفضل في تواصل عمل محله إلى زبائنه المسلمين والتونسيين اليهود الذين يعودون إلى تونس صيفا.

من جهة أخرى، يرى المؤرخون أن العلاقات بين اليهود والمسلمين بلغت أوجها قبل ألف عام تقريبا خلال الحقبة الأندلسية، المعروفة أيضا بأيبيريا الإسلاميَّة، عندما امتدت الإمبراطورية الإسلامية عبر البحر المتوسط وصولا إلى جنوب ما يعرف اليوم بإسبانيا.

خلال تلك الفترة، أصبح اليهود والمسلمون جزءا من مجتمع واحد متشابك، والذي كان منارة للعلوم والفلسفة والفن والتنوير، في الوقت الذي كانت تعيش فيه معظم أوروبا في العصور المظلمة. علاوة على ذلك، أفرز ذلك المجتمع كبار العلماء والكتاب، وكان من بينهم الفيلسوف موسى بن ميمون، الدبلوماسي والطبيب أبو يوسف بن شبروط، بالإضافة إلى الشاعر موسى بن عزرا.

يقول المؤرخ حبيب القزدغلي، عميد جامعة تونس منوبة والخبير في الأقليات الدينية في تونس، أن: ” الأندلس كانت نموذجًا للتناغم والتعايش بين الأديان ومثالا يجب الاحتذاء به حتى اليوم”.

وعند استرداد الأوروبيين منطقة جنوب إسبانيا، فر اليهود والمسلمون معًا بإتجاه شمال أفريقيا. هناك، أنشأوا أحيائهم، التي تميزت بطابعها الأندلسي، في البلدات والقرى في كل من المغرب وتونس المعاصرة، ما جعل سكان تلك المناطق مميزين عن البقية التي لم تغادر أفريقيا مطلقًا.

في النصف الثاني من القرن العشرين، عاش يهود تونس وطأت التوترات الطائفية التي نشأت وسط أزمات إقليمية بعد ظهور إسرائيل على الساحة. كما أثارت القومية العربية والسخط تجاه الحروب مع إسرائيل موجة من أعمال التخريب استهدفت ممتلكات ومتاجر اليهود في تونس. خلال حربي 1967 و1973 بين العرب وإسرائيل، اندلعت أعمال عنف اجتاحت البلاد. وكان الأمر سيان خلال حرب الخليج عام 1991.

وفي هذا الصدد، يقول أحد السكان اليهود،البالغ من العمر 50 عامًا، أن: “في كل مرة كانت تندلع فيها حرب في المنطقة، تحتد التوترات فيعمد البعض إلى صب غضبهم على جيرانهم من اليهود”. لكن في القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد ثورة 2011، لاحظ التونسيون اليهود تحولا نوعيا.

تبددت هذه التوترات مع استعادة تونس لحرياتها السياسية، إذ لم تعد إسرائيل، وبالتالي اليهود، القضية الرئيسية المثيرة للجدل والتي لطالما وقع استغلالها من قبل النظام الاستبدادي السابق كوسيلة لتحويل أنظار التونسيين بعيدا عن الانتهاكات السياسية في الداخل. وهكذا، عاد اليهود التونسيون لكونهم مجرد جيران ومواطنين وليس أعداء لبقية للتونسيين.

وكان مشهد جلوس كل من الحاخام التونسي حاييم بيتان بجوار المفتي الجمهورية عثمان بطيخ، وكبير أساقفة المسيحيين التونسيين الأب إيلاريو أنطونياسي، خلال مراسم تنصيب قيس سعيد رئيسا، أكبر دليل على هذا التحول الذي شهدته البلاد من حيث التناغم والتعايش بين الأديان. وأصبحت تونس نموذجا للدولة الديمقراطية التي اختارت احتضان جميع مكونات المجتمع واحترامها، وليس تقسيمها.

اليوم، يشغل رينيه الطرابلسي، تونسي يهودي الديانة، منصب وزير السياحة، ما يجعله الوزير اليهودي الوحيد في العالم العربي، وهو الأول في تونس منذ الخمسينيات. علاوة على ذلك، ينسب العديد من التونسيين انتعاش القطاع السياحي، والذي مثل في وقت من الأوقات ما يزيد عن 20 بالمائة من الدخل المحلي الإجمالي للبلاد، إلى السيد الطرابلسي، بعد سنوات من عدم الاستقرار والركود إثر الهجمات الإرهابية.

وفي حين، تنعدم العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين كل من تونس وإسرائيل ، مما يضطر السياح  الإسرائيليين السفر إلى جزيرة جربة مباشرة، تأخذ معدلات السياحة اليهودية الإسرائيلية والأوروبية في تونس في الارتفاع، كما هو الطلب على الأطعمة اليهودية وتجارب السياحة الدينية اليهودية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

التنمية البشرية: بين بيع الوهم وجشع المدربين

بقلم تسنيم مباركي نشرت صحيفة “كريستشن ساينس مونيتور” الأمريكية تقريرا تطرقت فيه إلى حياة اليهود في تونس والتاريخ الذي يجمع كل من المجتمع اليهودي والإسلامي. يعود تاريخ اليهود في تونس إلى العصر البوني، فقد قاموا ببناء ما يُعتقد أنه أقدم…

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
powered by RelatedPosts