أخبار اخبار وطنية عالمي مجتمع محلي

إصلاح المحاكم العسكرية التونسية ضرورة لإرساء الديمقراطية

بقلم تركية الجندوبي

في الوقت الذي يستعد فيه البرلمانيون المنتخبون حديثًا في تونس لتولي مقاعدهم النيابية في المجلس، يظل عدد من الإصلاحات الديمقراطية التي تستدعي الإهتمام معلقا. وفي هذا الشأن، أشارت منظمة العفو الدولية إلى خمسة إصلاحات رئيسية تتعلق بحالة الطوارئ، انتهاكات قوات الأمن، العدالة الانتقالية، المحكمة الدستورية، وعقوبة الإعدام. ولكن، تطرق التقرير الذي نشرته مؤسسة “بروكينغز” إلى إصلاح أخير كان ينبغي إضافته إلى تلك القائمة، ويتمثل في إصلاح المحاكم العسكرية، إن لم يكن إلغاؤها كليا.

لا تزال تعمل المحاكم العسكرية التونسية إلى هذا اليوم بموجب قانون العدالة العسكرية الصادر عام 1957، الذي يسمح بإجراء محاكمات عسكرية للمدنيين بتهمة إهانة الجيش أو تقويض معنوياته، بالإضافة إلى جرائم تتعلق بالأمن القومي مثل الخيانة والتجسس. وعلى الرغم من أن دستور سنة 2014 ينص على أن المحاكم العسكرية “مختصة فقط في التعامل مع الجرائم العسكرية”، إلا أن المادة الانتقالية تسمح بإجراء محاكمات عسكرية للمدنيين إلى حين تعديل القانون بما يتماشى مع الدستور. وبغض النظر عن ذلك، ينبغي على تونس التحرك بسرعة لإنهاء هذه المحاكمات.

في السنوات الخمس الماضية، أصدرت المحاكم العسكرية الثلاث في كل من تونس وصفاقس والكاف أحكاما في حق عددًا من المدنيين. إحدى القضايا، تتعلق بمحاكمة ياسين العياري، وهو مدون وعضو حالي في البرلمان، غيابياً في عام 2014 والإصدار في حقه حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد نشره تعليقات على موقع فيسبوك “شوهت” القيادة العسكرية و”قوضت معنويات الجيش”. في حين تم التحقيق مع عشرة مدونين على الأقل ونشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المحاكم المدنية والعسكرية بتهم تشهير مماثلة.

بالإضافة إلى التشهير، عادة ما تلجأ الحكومة إلى المحاكم العسكرية لاستهداف المعارضين السياسيين. في ماي سنة 2017، طلب رئيس الوزراء يوسف الشاهد من إحدى المحاكم العسكرية، محاكمة رجل الأعمال التونسي البارز شفيق جراية وسبع شخصيات أخرى، ظاهريًا بسبب الفساد والخيانة، ولكن في الأغلب لأجل تمويلهم لخصوم الشاهد داخل الحزب الذي كان ينتمي إليه في ذلك الوقت، نداء تونس.

وفي نوفمبر عام 2018، رفع سليم الرياحي، الأمين العام آنذاك لنداء تونس، دعوى في محكمة عسكرية ضد الشاهد بتهمة التخطيط لإنقلاب، لكن تم رفض القضية. أخيرًا، طلب الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في ديسمبر 2018، من القضاء التحقيق في منافسه السياسي الرئيسي، حركة النهضة، بتهمة إيواء جهاز سري.

وفي مقابلات أجرتها أطراف من مؤسسة “بروكينغز” خلال العامين الماضيين، أكد الضباط والقضاة العسكريون على وجوب محاكمة هؤلاء المدنيين في المحاكم العسكرية، لأنهم إما هاجموا الجيش لفظيًا أو ارتكبوا جرائم خطيرة تمس من الأمن القومي مثل الخيانة. كما أشاروا إلى أن نظام القضاء العسكري خضع لإصلاحات مهمة بمقتضى المرسومين 69 و70 الصادرين في شهر جويلية عام 2011، حيث أُنشئت بموجبهما محكمة استئناف عسكرية تخول للضحايا برفع دعاوى مدنية للحصول على تعويضات.

ومع ذلك، لا تزال تعاني المحاكم العسكرية من أوجه قصور كبيرة. أولها، تعيين كل من القضاة العسكريين والمدنيين العاملين في المحاكم العسكرية من قبل الرئيس بموافقة وزير الدفاع، حسب المادة 11، ما يعني أنهم ليسوا مستقلين. علاوة على ذلك، يتحكم وزير الدفاع في رواتب القضاة العسكريين وترقياتهم، مما يقوض على الأقل، انطباع الحياد. 

ومن جهتها، أشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فيما يتعلق بالمحاكمات العسكرية للرئيس السابق زين العابدين بن علي وشركائه، إلى أنه “كان هناك تصور من جانب الضحايا بأن السلطة التنفيذية كان لها تأثير لا مبرر له على قرار تلك المحاكم بإصدار أحكام مخففة على المدانين”.

ونتيجة لهذه القيود، حصرت بعض الأنظمة الديمقراطيات الراسخة استخدام المحاكم العسكرية على العسكريين فقط، بينما ألغاها البعض الآخر تمامًا. في فرنسا، على سبيل المثال، تم حل نظام القضاء العسكري بالكامل في عام 2012، بعد اتهامات بالتحيز وانعدام الشفافية. منذ ذلك الحين، يحاكم الأفراد العسكريين من قبل قضاة مدنيين متخصصين في الشؤون العسكرية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
هل تفضل النساء اللّحية؟ بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه
هل تفضل النساء اللّحية؟  بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه بقلم وئام بلخيرية نشر موقع "سيكولوجي توداي" تقريرا حول دراسة حدي...
powered by RelatedPosts