أحزاب و برلمان أخبار اخبار وطنية

في خضم الأزمة التي يعيشها العالم، الديمقراطية التونسية تسير بخطى ثابتة

يقلم زينب بوڨرة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تقريرا عملت من خلاله على دراسة التجربة الديمقراطية الفتية في تونس في خضم الأزمات المتتالية التي تشهدها المنطقة. كما تحدث التقرير عن أسباب نجاح هذه التجربة.

يرى عديد الخبراء بأننا نعيش اليوم في عصر التراجع الديمقراطي، حيث عمد أصحاب النفوذ في الدول ذات الحزب الواحد إلى تعزيز سلطتهم وتوسيعها، بينما لم يتوانى الشعبويون في الديمقراطيات القائمة في تقويض وتخريب المؤسسات الليبرالية في بلدانهم بشكل منهجي. 

وفي بعض بلدان العالم العربي، أين لم تفلح الديمقراطية  في مد جذورها عميقا، لا تزال الاحتجاجات السلمية تقابل بوحشية من جهة الدولة القمعية.  وهنا، يأتي دور تونس تلك الدولة الصغيرة الواقعة في شمال إفريقيا، وقصة “النجاح” الوحيدة في الربيع العربي لعام 2011.

في غضون شهر، أجرت تونس ثلاث انتخابات كانت آخرها قبل أسابيع قليلة فقط، توجت بفوز قيس سعيد، أستاذ القانون المتقاعد الذي تحول إلى سياسي مستقل ومناهض للمؤسسة.

خلال الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، توجه الملايين إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين دخيلين على الساحة السياسية، ليعبروا عن ازدرائهم للمؤسسة السياسية في البلاد بعد فشلها في تخفيض معدلات البطالة المرتفعة، إلى جانب ارتفاع الأسعار وعدم توفر الفرص. 

وفي الحقيقة، لا يمكن للرئيس الجديد أن يعالج تلك المشاكل التي دفعت به إلى السلطة بمفرده.  الأسبوع الماضي، نصب قيس سعيد رسميا رئيسًا للبلاد، لكن لا تزال تونس تنتظر تشكيل حكومتها المقبلة، ما قد يستغرق بعض الوقت. 

وفي السياق نفسه، أشار المحرر بصحيفة «واشنطن بوست»، كريستيان كاريل، إلى أن “التونسيون ظلوا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، أو الشوارع للتعبير عن معارضتهم. وهكذا نجحوا في حماية تجربتهم الديمقراطية الرائعة، التي شهدت تطورا ملحوظا. كما أقروا قوانين تحمي حقوق الأقليات، بينما واصلت جهات المجتمع المدني الضغط على الحكومة  لإقرار مجموعة من الإصلاحات”.

الديمقراطية التونسية لا زالت قائمة ولا زالت تمثل تهديدا خطيرا للأنظمة العربية

في هذا الشأن، قال زياد العذاري، الأمين العام بحركة النهضة، أن: “البلاد نجحت في ترسيخ الديمقراطية”، مضيفًا أن “هذا النوع من التعاون الناشئ بين مختلف الأسر السياسية في تونس، حالة لم نشهدها حقًا في بلدان أخرى”، وهو علامة على النضج السياسي وما بلغته تونس من مناخ سياسي ديمقراطي تعددي. 

كما أكد أن تونس لم تحاول تصدير هذا النموذج وفرضه على بلدان أخرى، بل “قدمته كنموذج للاندماج السياسي والاقتصادي” في الوقت الذي تواصلت فيه الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في العالم العربي. وأضاف أن تونس أثبتت أن هذا الجزء من العالم قادر على ترسيخ الديمقراطية وجدير بها، وأنها مبدأ تحث عليه القيم الإسلامية.

وفي هذا الإطار، تطرق المحللون إلى بعض العوامل الفريدة التي جعلت تونس مختلفة عن بلدان الربيع العربي الأخرى، بما في ذلك حجمها الصغير نسبياً. وفي الحقيقة، لم تكن تونس استثناء قبل عام 2011، كما ذكر إتش آي هيلير، وهو زميل مشارك في مركز بحوث تابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة.

وفي هذا الشأن، كتبت هيلير في صحيفة “ذا ناشيونال” أنه “عند الحديث عن التجربة التونسية، لا يسعنا سوى الإشادة بإنجازاتها السياسية، وأولها، تمتع البلاد بالحكم الذاتي، بدلاً من التدخل الأجنبي الكامل في عمليتها السياسية. ثانياً، توزع السلطة السياسية في البلاد، بحيث لن يتمكن أي الأطراف من احتكارها”. وهكذا، نجحت تونس في دحض الفكرة المبتذلة عن العرب والمسلمين. 

وعلى الرغم مما وصلت إليه الديمقراطية التونسية، إلا أن السياسيين يدركون ثقل هذه المسؤولية، حيث تواجه البلاد مجموعة من المشاكل الهيكلية، إلى جانب تراجع الاقتصاد، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وارتفاع معدل البطالة، وتعالي الأصوات المطالبة بتوفير خدمات اجتماعية أفضل. 

عموما، جاء فوز قيس سعيد بعد موجة غضب إزاء الفساد والظلم الاجتماعي، حتى أن بعض التونسيين وجدوا أنفسهم يشعرون بالحنين إلى الاستقرار النسبي خلال فترة الديكتاتورية. الآن، يبقى التحدي الرئيسي هو إثبات أن الديمقراطية تفضي إلى الرخاء. الأكيد أن الحرية مهمة، ولكن من المهم أيضًا تحقيق الإنتقال الإقتصادي الشامل والديمقراطية الاجتماعية المنشودة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

التنمية البشرية: بين بيع الوهم وجشع المدربين

يرى عديد الخبراء بأننا نعيش اليوم في عصر التراجع الديمقراطي، حيث عمد أصحاب النفوذ في الدول ذات الحزب الواحد إلى تعزيز سلطتهم وتوسيعها، بينما لم يتوانى الشعبويون في الديمقراطيات القائمة في تقويض وتخريب المؤسسات الليبرالية في بلدانهم بشكل منهجي.

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
powered by RelatedPosts