تاريخي ثقافة و فنون عالمي عناوين

ماذا لو قتل أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الأولى ؟

بقلم تركية الجندوبي 

نشرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية تقريرا تحدثت فيه عما كان سيصبح عليه العالم في حال قتل القائد النازي أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الأولى. ويبدو أن تاريخ الحرب العالمية الثانية كان ليكون مغايرا عما نشهده اليوم، لو لم يكن هتلر لا يزال حيا.

تقول الأسطورة أنه في الثامن عشر من سبتمبر سنة 1918، شاءت الأقدار أن يتم العثور على أدولف هتلر جريحا وغير مسلح، من قبل هنري تاندي وهو جندي بريطاني، سيمنح لاحقا صليب فكتوريا، لما بدر منه من شجاعة وجرأة أثناء مواجهة العدو خلال الإشتباك الذي وقع في ماركوينغ بفرنسا. وحينما لمح هنري الحالة التي كان فيها هتلر أنذاك، قرر ألا يطلق عليه النار وتركه ليعيش. فذهب أدولف في حال سبيله، شاكرا الجندي البريطاني لما أبداه من شفقة تجاهه. 

وفي حين يعتقد المؤرخون أن هتلر نفسه عمل على إختلاق هذه الحادثة، وماهي إلا أسطورة ملفقة. يبقى التساؤل مطروحا: في زحام المذبحة الواقعة خلال الحرب العالمية الأولى، إلى أي مدى كان لطلقة نارية واحدة القدرة على تغيير مجرى التاريخ بالعالم؟

بعبارة أخرى، هل كان من المقرر أن تحدث الحرب العالمية الثانية بسبب قوى اقتصادية وسياسية كبرى؟ أم هل هي نتاج لتركيبة فريدة، لزعيم يتصف بالوحشية ذو جاذبية مقنعة، جعلت تيارات التاريخ تنحني في أعقابه؟

هل كان النازيون ليصلوا إلى السلطة لولا هتلر؟

في وقت سابق، تجسد الحزب النازي كحزب العمال الألماني، ويعود تاريخ تأسيسه لصانع أقفال يدعى أنطون دريكسلر، وكان هتلر في الأصل معينا من قبل مخابرات الجيش الألماني بعد الحرب العالمية الأولى للتسلل إلى الحزب، لكن انتهى به المطاف أن أصبح زعيماً للحزب في عام 1921.

و لذلك، فإن فكرة نشوء حزب يميني متطرف من الطبقة العاملة كانت من المرجح أن تنفذ حتى مع غياب هتلر، الذي كان منقادا بتيارات الضائقة الإقتصادية و حاملا لغضب إنتقامي تجاه هزيمة الإمبراطورية الألمانية، التي تلقت طعنة في الظهر بعد الاستسلام في الحرب العالمية الأولى.

من ناحية أخرى، هناك أدلة جيدة على أن صعود الفكر النازي إلى السلطة جاء بموجب ظروف غير عادية مرتبطة بهتلر نفسه. هذا لأنه حتى مع زعامة هتلر، حصل النازيون على 37 بالمائة فقط من الأصوات في الإنتخابات المحدثة سنة 1932، في حين قام معظم الألمان، أو ما يقدر بنسبة 53 في المائة، بإعادة إنتخاب الجنرال ورجل الدولة بول فون هيندينبيرغ ليشغل منصب الرئاسة، والذي كان مدعومًا من قبل أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط الألمانية. 

وعلى الرغم مما كان يكنه هذا الأخير من كراهية تجاه هتلر شخصيًا، فقد كافح هيندنبورغ البالغ من العمر آنذاك 84 عامًا، لتشكيل ائتلاف وكان مقتنعًا في نهاية المطاف بتعيين هتلر مستشارا. وبعد الهجوم الذي تم تنظيمه على مبنى الرايخستاغ، أقنع هتلر هيندنبورغ بحل الرايخستاغ، مما سمح له بالحكم بمرسوم.

وهكذا، فإن إنضمام النازيين للسلطة لم يكن بسبب الدعم الشعبي الواسع، ولكن كان نتاج عوامل سياسية خاصة، التي ربما تكون قد لعبت بطريقة مختلفة دورا في تواجد هتلر في الصورة.

دون تواجد النازيين في الصورة، هل كانت ألمانيا لتبدأ حملاتها العسكرية في أوروبا؟

مما لا شك فيه، كان هناك شعور بأن ألمانيا قد تعرضت لسوء المعاملة من قبل معاهدة فرساي. ورحب العديد من النخبة القديمة بفكرة هتلر التي تركز على إعادة بناء القوة العسكرية الألمانية. وكان الجيش يعتقد أن ألمانيا تستحق أن تستعيد مكانتها كقوة عظمى ودعت إلى مجتمع أكثر عسكرة وسلطوية. وعمل التكنوقراطيون في الجيش الألماني بطريقة سرية، على تعزيز تطوير الدبابات والسفن والطائرات الحربية المقيدة بموجب معاهدة فرساي في عشرينيات القرن الماضي، وذلك قبل سنوات من وصول هتلر إلى السلطة. ومن المفارقات أن السوفييت كانوا قد قدموا يد العون.

ومع ذلك، اعتقدت القيادة العليا في القوات المسلحة الموحدة لألمانيا، أو ما يعرف بـفيرماخت، أن حروب هتلر كانت مندفعة ومتهورة، حتى أن البعض خططوا لتنفيذ إنقلاب ضده، فهم لم يعارضوا مبدأ الغزو الأجنبي، ولكن كان الاعتقاد الرائج يقوم على أن ألمانيا تحتاج من ست إلى عشر سنوات أخرى لبناء قواتها. لذلك، كان من المحتمل أن تعود ألمانيا إلى الظهور كقوة عسكرية، ولكن ليس بالضرورة بالوتيرة السريعة التي دفعها بها النازيون. 

ربما كانت ألمانيا دون سلطة النازيين قد تحولت إلى القومية العسكرية. ربما كانت المناطق الحدودية المثيرة للجدل، كإقليم السوديت الواقع غرب التشيك، والممر البولندي ستظل بؤر التوتر المحتملة، لكن الرياح السياسية ربما تكون قد قادت الجمهورية على طريق أقل دمارا.

الحرب العالمية الثانية … هل استهلها ستالين؟

كان لستالين رغبة في الخوض في الغزوات الانتهازية دون شك، حيث أنه تعاون مع هتلر لاحتلال بولندا عام 1939، ثم قام بغزو فنلندا في شتاء السنة ذاتها، ليستولي لاحقا على دول البلطيق ومقاطعة بيسارابيا الرومانية. في المقابل، فضل ستالين اختيار البلدان الضعيفة دون دعم من حلفاء أقوياء. في تلك الحرب الشتوية، كافح أكثر من نصف مليون جندي سوفييتي مدعومين بآلاف الدبابات والطائرات الحربية من أجل هزيمة القوات الفنلندية الصغيرة المدججة بالسلاح، والتي سقط من بينها أكثر من 300 ألف ضحية. ومع ذلك، توقف عدوان هتلر عن المنافسة الاستراتيجية بين أوروبا الغربية وموسكو. في غياب هتلر، من المحتمل أن تكون الحرب الباردة السابقة قد حلت محلها.

عالم مختلف

في بداية الحرب العالمية الثانية، كانت هناك ست قوى كبرى لها مجالات نفوذ متعددة الجنسيات، وهي المملكة المتحدة وفرنسا مع إمبراطورية كل منهما الاستعمارية الشاسعة في إفريقيا وآسيا، فضلا عن ألمانيا المهيمنة في أوروبا الوسطى، واليابان وإمبراطوريتها المتنامية في كل من آسيا والمحيط الهادئ، والاتحاد السوفيتي وتأثيره على أوروبا وآسيا الوسطى، وأخيرا الولايات المتحدة المنسحبة لاحقا من مغامراتها الاستعمارية في أمريكا اللاتينية والفلبين. و كان للحرب العالمية الثانية تأثير كبير على كل منها. فبعد أن كانت كل من ألمانيا واليابان قوتين عظيمتين، لاقتا الدمار جراء الحرب، وأضحت المملكة المتحدة وفرنسا أقل قوة وتأثيرا مما كانتا عليه، في حين برز كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة كقوة عسكرية هائلة لها موطئ قدم في أوروبا وآسيا.

من هذا التغيير الهائل للنظام العالمي، نشأت الأمم المتحدة ودولة إسرائيل وحلف الناتو وحلف وارسو، وتحولت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية إلى دول قومية مستقلة، إلى جانب إنقسام كوريا الشمالية والجنوبية عن بعض.

دون الحرب العالمية الثانية، كانت العديد من التقنيات التي غيرت العالم، بداية من العلاج الكيميائي والصواريخ وصولا إلى القنبلة النووية، قد تطورت في أوقات وأماكن مختلفة. وعلى الصعيد الإجتماعي، ربما كان للحركات التي تأثرت بالتغيرات الاجتماعية الناجمة عن النزاع، مثل حركة الحقوق المدنية أو استقلال الهند دور مختلف.

ودون تنفيذ هتلر لنظرياته حول الإبادة الجماعية، كان من الممكن تجنب مذبحة ملايين اليهود والأقليات الأخرى في المحرقة، حتى لو استمرت معاداة السامية نفسها. من المحتمل أن جمهورية فايمار قد تجنبت تحول ألمانيا النازية إلى النزعة العسكرية والاستبدادية، لكن العالم كان لا يزال ملزما على خوض صراعات هائلة أوصلته إلى أماكن وأوقات مختلفة، في خضم حل التوترات المألوفة بين كل من الرأسمالية والشيوعية  والاستعمار والاستقلال الوطني، والقومية والعالمية.

طلقة نارية واحدة كانت كفيلة بأن تقلب الموازين، فلو تم إتخاذ قرار مغاير من قبل هنري تاندي كيف كان مجرى التاريخ سيتحول؟ كيف كان التاريخ نفسه سيكتب عن أدولف هتلر؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
هل تفضل النساء اللّحية؟ بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه
هل تفضل النساء اللّحية؟  بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه بقلم وئام بلخيرية نشر موقع "سيكولوجي توداي" تقريرا حول دراسة حدي...
powered by RelatedPosts