أخبار تاريخي عالمي عناوين متفرقات مجتمع

الليبرالية: وباء ينخر بلدان العالم العربي

بقلم تسنيم مباركي

نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني مقال رأي للكاتب جوزيف مسعد تحدث فيه عن انعكاسات الأنظمة الليبرالية الجديدة على الديمقراطية السياسية والإنجازات الاقتصادية السابقة، مشيرا إلى أن الصراعات المتتالية التي اجتاحت العالم العربي ليست سوى ردة فعل ضد الاقتصاد الليبرالي المستجد، والفقر والقمع الذي أتى به.

بين الكاتب في مقاله أن هذه التحركات الإحتجاجية نادت بإرساء ديمقراطية اقتصادية واقتلاع الديكتاتورية كخطوة أولى نحو تحرير الشعوب وانتشالها من الفقر، إلا أن هذه الأخيرة كانت نذير شؤم على تلك النخب السياسية والاقتصادية والفكرية التي دعمت هذه الأنظمة وتمعشت منها على حساب غالبية الشعوب العربية.

في حين هيمنت الأفكار التقدمية وسياسات التحرر الوطني على الفترة الممتدة ما بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، نجد أن الخطاب السائد اليوم قائم على أفكار ليبرالية بالأساس. وعلى الرغم من أن المصطلحين، التحرر والليبرالية، يجمعان عديد الأفكار المشتركة، إلا أنهما يختلفان في الأهداف والإنجازات بحسب طبيعة الفترة.

ومن هذا المنطلق، يمكن تقسيم آثار كل منهما، الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، حسب الفترات التي تلت الاستقلال مباشرة، أي من أربعينيات القرن الماضي وصولا إلى أواخر السبعينيات، والفترة الفاصلة بين الثمانينيات وحتى الوقت الحاضر.

أوضح الكاتب أن الفترة الأولى التي تلت الإستقلال تأثرت بشكل كبير بمبادئ التحرر الوطني التي هيمنت على الحركات السياسية الشعبية والاتجاهات الفكرية النخبوية لتلك المرحلة، في حين سادت الأفكار الليبرالية خلال الفترة الثانية، بحيث سيطرت على كل من مجالات الإنتاج الفكري للنخب والنشاط السياسي. 

خلال فترة ما بعد الاستعمار، تحول خطاب التحرر الوطني إلى شعار إلتفت حوله الأنظمة حديثة الاستقلال، على غرار تلك المصرية والسورية، بالإضافة إلى تلك الأنظمة المحافظة في تونس والأردن، والحركات المناهضة للاستعمار في كل من الجزائر وفلسطين، بالإضافة إلى عمان وبقية منطقة الخليج. وكان هدف الديمقراطية الاقتصادية التي جاء بها هذا الخط الفكري تحسين الأوضاع الإقتصادية والقضاء على الفقر.

وعقب حرب 1967، وقع التخلي تدريجيا عن مبادئ التحرر الوطني لصالح فكر مستجد طغت عليه الليبرالية، الذي تم ترسيخه لاحقا في منتصف سبعينيات القرن العشرين، بعد أن جعل الليبراليون من “مشروع التحرر الوطني” فزاعة لبث الخوف بين الشعوب، متهمينه بـ الديكتاتورية السياسية، واقترانه بعديد الكوارث الاقتصادية والعسكرية.

فوعدت الليبرالية بحماية الحريات الفردية وتحقيق السلام الإقليمي ورخاء الشعوب، فضلاً عن إرساء الديمقراطية السياسية، من خلال ترسيخ مفهوم الانتخابات “الحرة”. وفي حين اقترن مشروع التحرر الوطني بالديمقراطية السياسية الشعبية، والاستفتاء باعتباره رفيق الديمقراطية الاقتصادية، تمسكت الليبرالية بديمقراطية “تمثيلية” انتخابية تكرس الديكتاتورية الاقتصادية، حيث أصبح السوق هو من يحدد السياسات الاقتصادية وليس الشعب أو مؤسسات الدولة التي تمثله.

استمر العمل على برنامج “الاشتراكية العربية” على قدم وساق، كان هدفه الوحيد تحويط الاقتصادات المحلية وحمايتها من مكائد القوى الإمبريالية، فحصدت هذه التجربة نتائج اقتصادية وسياسية مثيرة للإعجاب. لم تقتصر إنجازات الفترة الممتدة ما بين الخمسينيات والسبعينيات، على تحسن الاقتصادات “الاشتراكية” العربية وحسب، بل شهدت قطاعات عديدة، على غرار الرعاية الصحية، تحسنا ملحوظا، كما تم تحقيق الأهداف الاقتصادية الاجتماعية المستهدفة مثل التوزيع المتساوي للدخل، وإرساء برامج الإصلاح الزراعي، وتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات الثقيلة.

ولهذا سعت إسرائيل، بتكليف من الولايات المتحدة الأمريكية، بتعطيل هذا المسار من خلال محاولة الإطاحة بجمال عبد الناصر، فوجهت ضربة  زعزعت نظامه في سنة 1967. ومثلت وفاته سنة 1970 بداية نهاية عصر الاستقلال والتحرر الوطني.

مع صعود الليبرالية الحديثة خلال سنوات السبعينيات وتوطيدها في الثمانينيات والسنوات التي تلتها، بدأت الأوضاع الإقتصادية، والسياسية والثقافية بالتحول. فبدأت  طبقة جديدة من المثقفين الليبراليين في مصر ورعاتهم الإمبرياليين بالمناداة بوقف الحرب على إسرائيل متحججين بكونها استنزفت موارد الدولة، بل إدعوا أن قرار الصلح من شأنه أن يعود بالرخاء على جميع المصريين والعرب ككل.

بحلول أواخر الثمانينيات، تم تبني هذا الخط السياسي والاقتصادي ليس في مصر وحسب بل من قبل ثلة من المثقفين العرب، حتى أن مثقفون ليبراليون وسياسيون فلسطينيون وعدوا بأن “عملية السلام” التي ترعاها الولايات المتحدة ستجعل من الضفة الغربية وقطاع غزة “سنغافورة” العرب. وعلى الرغم من تلك الوعود، إلا أن انتشار الفقر في تلك الدول واحتكار النخبة للثروات كان نتيجة فورية لتلك السياسات.

اليوم، سُلبت غالبية شعوب المنطقة معظم حقوقها الاقتصادية، ونتيجة لخيانة الليبراليين العلمانيين للديمقراطية السياسية لم يحظى هؤلاء كذلك بأي حقوق سياسية أو فردية. في حين أن التحرر الوطني في ظل “الاشتراكية العربية” – على الرغم من قمعها للحقوق السياسية الليبرالية – قد حرر الشعوب من الديكتاتورية الاقتصادية والفقر والأمية والمرض ، نجحت الأنظمة الليبرالية الجديدة ومثقفيها في المقابل في تحرير الشعوب العربية من الاشتراكية العربية وحرمانهم العيش الكريم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
هل تفضل النساء اللّحية؟ بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه
هل تفضل النساء اللّحية؟  بحث جديد يكشف عن شعور المرأة تجاه شعر الوجه بقلم وئام بلخيرية نشر موقع "سيكولوجي توداي" تقريرا حول دراسة حدي...
تحقق الاستقرار في الشرق الأوسط مازال بعيد المنال
بقلم تسنيم المباركي باتت عديد بلدان الشرق الأوسط التي تعيش تحت وطأة الصراعات داخلية، على غرار اليمن وسوريا وليبيا، مرتعا للقوى الدولية كروسيا...
powered by RelatedPosts