أخبار أخبار عالمية

من الاستعمار إلى العلمانية: فرنسا تواصل حربها على النساء المسلمات

 بقلم زينب بوڨرة

يعود موضوع الإسلاموفوبيا ليطرح على طاولة النقاش في فرنسا، حيث عرض في الفترة الأخيرة وبشكل ملفت للنظر 85 نقاشًا متلفزًا حول الحجاب عبر القنوات الإخبارية الفرنسية، أين دعي 286 شخصًا للتحدث حول هذا الموضوع ومهاجمة الإسلام. 

كتبت فرانتس فانون عن مقاربة فرنسا لتشديد قبضتها الاستعمارية “إذا أردنا تدمير هيكل المجتمع الجزائري وقدرته على المقاومة، يجب علينا أولاً وقبل كل شيء قهر النساء. يجب أن نذهب ونعثر عليهم حيث يختبئن في المنازل أين يبقيهم الرجال بعيدا عن الأنظار”. 

هل من تغير؟

مرة أخرى، اكتظت المنابر الإعلامية الأسبوع الماضي بمئات المعلقين والعشرات من البرامج التلفزية والمناقشات الإذاعية والعناوين الرئيسية،  والتي كانت تتمحور حول النساء المسلمات وحقهن في ارتداء الحجاب.

أصبح  هذا الارتفاع  في عدد الهجمات التي لا تنتهي على المسلمات  أمرا معتادًا جدًا في المشهد الإعلامي الفرنسي، إضافة إلى أنه قد وحد طيفًا سياسيًا واسعًا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ليجتمع الطرفان تحت راية استهداف واحدة من أكثر المجموعات اضطهادا في البلاد، أي المسلمات. وجاءت هذه التعليقات  بعد حادثة في رحلة مدرسية، أين رافقت أم محجبة ابنها إلى البرلمان الإقليمي في ديجون وحدث ما لم تحمد عقباه.

هذه الأم “فاطمة” وجدت نفسها تتعرض للاعتداء اللفظي من قبل السياسي جوليان أودول التابع لحزب التجمع الوطني الفاشي (المعروف سابقًا باسم الجبهة الوطنية)، والذي طالبها بإزالة الحجاب أو مغادرة المبنى. ويدفعنا هذا العمل العنصري تجاه المحجبات إلى التذكير بأن فرنسا كانت أول دولة أوروبية تحجر ارتداء الحجاب مرة أخرى في 2011.

أهي أصداء الفترة الاستعمارية؟ 

إن طريقة معاملة النساء المسلمات على أيدي الدولة في الوقت الحاضر ليست سوى تكرار لتاريخ عنيف من التجاوزات التي طالت النساء الجزائريات تحت الاستعمار. ومن المثير للاهتمام أن عنف الشرطة ضد الشباب المسلم في شوارع فرنسا اليوم يتبع نمط العنف ذاته الذي كان مسلطا من طرف الشرطة على العمال المهاجرين في ذلك الوقت.

يمكن القول إن الفصل الاجتماعي بين السكان المسلمين في المدن واقتصار وجودهم الفعل على الضواحي التي تضم ذوي الدخل المنخفض في جميع أنحاء البلاد اليوم، ليس سوى تكرار لعملية عزلهم في الأحياء الفقيرة الفرنسية طوال الفترة الاستعمارية.

أهي الكراهية المعاصرة؟ 

ما تعرضت له فاطمة ليس سوى مزيج من الغضب والعنصرية الدفينة،  كما أن ردود الفعل الصادرة عن الحضور يوم الحادثة قد لخصت فكرة أن البلاد ما زالت عاجزة أمام تحرير رعاياها المستعمرين سابقا  ومعنى ذلك أن فرنسا لا تؤمن بحرية غيرها.

هل تعاني فرنسا من احتياج مستمر للتمييز والإخضاع؟

الجواب هو نعم، فهي مازالت تركز على السيطرة على النساء المسلمات حتى بعد عقود من تحرير الجزائر، وتعنى بأجسادهن ومكانتهن في المجتمع.

هل أن حادثة فاطمة مجرد حادثة استثنائية وشاذة؟ 

بعد ستة أيام من الاعتداء الذي طال فاطمة، أشارت الصحيفة الفرنسية “Libération” إلى أنه كان هناك بالفعل 85 نقاشًا متلفزًا حول الحجاب عبر قنوات الأخبار الفرنسية، والتي دعت 286 شخصًا للتحدث حول الموضوع، ولم يكن هناك نقاش واحد تحضره امرأة ترتدي الحجاب.

في تلك المناقشات، طرحت مسائل حول الملابس التي يجدر بالمرأة المسلمة أن ترتديها، والحقوق التي يجب أن تنتزع منها إذا رفضت الرضوخ لمطالب خلع الحجاب، والدور الذي يجب أن تلعبه الدولة الفرنسية لاستبعادها. في الواقع، ذهب أحد الصحافيين إلى أبعد من ذلك، ليصل إلى مقارنة الحجاب بالزي الرسمي.

المقاومة

بينما تسعى فاطمة إلى تحقيق العدالة من خلال السبل القانونية، ستستمر تجاربها في ملاحقة كل من عاشت مثل هذه التجربة بالذات. وعلى نطاق أوسع، يتم تذكير الفتيات والنساء المسلمات بأن أجسادهن ميدان معركة تستمر فيه الدولة الفرنسية في شن حربها. 

يتساءل المرء اليوم إذا ما كانت الدولة الفرنسية قد تعلمت أي شيء، وهل أن رفضها الاعتراف بماضيها يجعلها عمياء وعاجزة عن تعلم الدروس منها. وإذا كانت السيطرة الفرنسية على المجتمع الجزائري تقوم على السيطرة على نساؤها، فقد نجحت بشكل أساسي في وضع النساء الجزائريات في طليعة المقاومة ضد حكمها.

عند النظر إلى فاطمة التي تقف في مواجهة النائب العنصري بصمت وبشجاعة، يمكن للمرء أن يرى نفس العملية تعيد نفسها، ففاطمة كانت وحدها تمثل المقاومة في تلك الغرفة، والنهاية المستقبلية لحكمهم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


x

مقالات ذات صلة

التنمية البشرية: بين بيع الوهم وجشع المدربين

بينما تسعى فاطمة إلى تحقيق العدالة من خلال السبل القانونية، ستستمر تجاربها في ملاحقة كل من عاشت مثل هذه التجربة بالذات. وعلى نطاق أوسع، يتم تذكير الفتيات والنساء المسلمات بأن أجسادهن ميدان معركة تستمر فيه الدولة الفرنسية في شن حربها.

هل على المسلمين عقد تحالف مع الناشطين في مجتمع الميم؟
بقلم  أحمد قسامة عقدة ندوة إسلامية في مدينة تكساس الأمريكية حول إمكانية عقد تحالف سياسي بين المجتمع الإسلامي في الغرب وبين الناشطين في ...
هل قوة الصلاة وحدها كفيلة للتصدي لوباء كفيروس كورونا؟ حتى النبي محمد فكّر بطريقة مغايرة
بقلم أحمد قسامة استشهد الكاتب الإيرلندي-الأمريكي كرايغ كونسيدين في مجلة نيوزويك الأمريكية بالتعاليم الصحية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ...
powered by RelatedPosts